مقالات

النص ومرايا القراءة المتعدّدة

كتب الدكتور عبد القادر فيدوح

في ضوء التحولات الفكرية التي فرضتها الحداثة وما بعد الحداثة، لم يعد النص الأدبي يحتفظ بمعنى ثابت أو جواب جاهز، بل أصبح فضاءً ديناميكيًا متحرّكًا، يتيح للقارئ أن يتفاعل مع محتواه وفق إدراكه الذاتي وخلفيته الثقافية. الكلمة في هذا الإطار لم تعد أداة للإشارة المباشرة، بل صارت كائنًا حيًا يتنفس داخل النص، ينمو ويتفرع في أفق اللغة بطريقة توالدية، ليخلق حيوية دلالية مستمرة. هذا التحوّل في طبيعة النص جاء ليحل محل الاعتقاد التقليدي الذي ظلّ يسعى لاكتشاف معنى الشيء عبر التفسير الحرفي أو التفسيرات الفقهية، والتي ارتكزت على الانطباعات الخارجية والحكم الواحد، فكانت تصيغ النص وفق معايير ثابتة ومغلقة.

إن النص الحديث، على النقيض من ذلك، ينسلخ عن هذه الحدود ليصبح نبضًا إيقاعيًا على وتر الوعي الذاتي للمتلقي، حيث تتلاقى علامات الذات المتشظية مع اللغة في سياق مفتوح، وتتحوّل القراءة إلى عملية استكشافية، يمارس فيها القارئ فعل الكشف عن ذاته وعن العالم من حوله. هكذا، تتحول الكلمة إلى طاقة رمزية تتفاعل مع القارئ، وتهب الحياة للمعنى المتنقل، بحيث تصبح القراءة فضاءً للتأويل والإبداع المستمر، لا مجرد تلقي ثابت للمعلومة.

تتضح أهمية الخلفية الثقافية والتجريبية للقارئ في هذا السياق، إذ يحدد وعي القارئ، وتجربته، وانتماؤه الحضاري شكل المعنى المستخلص من النص. فالنص يصبح مرآة للقارئ، ويكشف عن تفاعلاته النفسية والفكرية، وعن علاقته بالزمن والمكان. يتيح هذا الانفتاح على تعدد القراءات استحضار أبعاد جديدة للنص، ويحوّله من كينونة محتملة إلى تجربة معرفية حية، تتجاوز الحدود التقليدية للزمن والخطاب، ليصبح المعنى ديناميكيًا ومتجددًا بحسب مرونة إدراك المتلقي.

إن القراءة التأويلية في هذا الإطار ليست عملية تقييمية أو قضائية، بل هي رحلة اكتشاف واستكشاف مستمرة، حيث يشكل السؤال جوهر التفاعل بين النص والقارئ، بدلاً من الاكتفاء بالجواب. كل قراءة جديدة تولّد نصًا لاحقًا في وعي القارئ، وتضيف تراكمًا معرفيًا وشعوريًا، وتتيح الفرصة للانغماس في فضاء احتمالات النص المفتوحة، مما يحوّل التجربة القرائية إلى عملية خلق مستمرة للمعنى. هذا التحول يجعل النص حاضنًا للأفكار والرموز والمعاني، ويحوّل القارئ إلى شريك فاعل في إعادة صياغة الوجود الدلالي للنص، بحيث تصبح كل قراءة إبداعًا وتأويلاً يوازي فعل الكتابة نفسه.

تسمح السيميائية التأويلية بمراقبة هذا التفاعل بعمق، إذ توفر أدوات تحليلية لرصد تعدد الدلالات، وفهم كيف يختلف النص نفسه باختلاف القراءات، وكيف تُنتج قراءات مختلفة نصوصًا معنوية جديدة، متجاوزة حدود اليقين والمضمون الثابت. فالنص الأدبي الحديث، بهذا المعنى، ليس إرثًا جامدًا، بل كائنًا حيًا يتشكل ويستعيد ذاته وفق حركة الوعي القرائي، ويظل مفتوحًا على الاحتمالات والتجارب، مما يجعل القراءة عملية تطوير مستمرة للوعي وللفهم، بعيدًا عن التفسير التقليدي الجامد الذي يقفل النص في خانة واحدة.

في المحصلة، تصبح تجربة النص وتحول المعنى في القارئ فضاءً متعدد الأبعاد، حيث تتقاطع الذات مع النص، والحاضر مع الماضي، والتجربة الفردية مع الوعي الجماعي، لتؤكد أن المعنى الأدبي ليس ثابتًا، بل متغيرًا وديناميكيًا، متجددًا بحسب كل قراءة، بحيث يصبح النص رحلة دائمة لاكتشاف الذات والآخر والوجود في أفق لغوي مفتوح، تحكمه احتمالات التأويل والإبداع المستمر.

يعد التعامل مع النص في منظور الحداثة وما بعد الحداثة بمثابة نزهة على تخوم حقول من الذائقة اللمعية، تتجلى عبر ممارسة تفجير الكلمة في لعبتها المتحررة، المتفرعة من ” الخلية الرحمية ” بطريقة توالدية ؛ لأن دينامية البعد الدلائلي للكلمة المتنامية في نسيج الحداثة جاءت بديلا لما ساد في اعتقادنا زمنا طويلا من البحث عن معنى الشيء، إلى تفسير النص بحسب الحقيقة، أو بالتفسير” الفقهي” للنص، والذي عاش في أفياء حكم الظاهر المسرف في المنحى الانطباعي، وفي هذا الإطار لم يعد للنص تلك العلاقة السببية بانعكاساتها الوظيفية النفعية، أو الموجهة توجها خارجيا، بقدر ما أصبح نبضا إيقاعيا على وتر استبطان علامات الذات في مرساة رغائبها المتشظية، المنعطفة على عالمها المغلق، إلى ترشيد العالم الكشفي المفتوح عبر شرارة الطاقة الرمزية الماثلة في استطيقا القراءة والتقبل.

   إن ما نلحظه في دراستنا العربية أنها بدأت تتحرك نحو التأسيس في اتجاه النقلة الثقافية ” العلمية ” المعاصرة التي تستجيب لمكونات تأسيس شروط العصر. فلا غرابة إذاً أن يعكس النص طبيعة التفكير البشري ـ المتسم بطابع التقلب السريع ـ في بداية هذا القرن الذي تعمه الفوضى البراغماتية، ضمن ما يحتويه التعامل الإشاري في دلالاته المتفككة ؛ لذلك جاءت السيميائية ” التأويلية ” في سبيل القضاء على نظرية المحاكاة الأرسطية، كما جاء ـ مثلا ـ نظام السوق الحرة في القانون الاقتصادي لفرض حكم البقاء للأقوى، وإعطاء الحرية في التعامل.

   فالنص إذاً، لم يعد يحمل الراية الإيديولوجية التي اعتمدت بنية الخلل الاجتماعي مظهرا لها،  ولا البطاقة الاستنطاقية، الاستبارية  والاستخبارية للذات المبدعة بوصفها علبة سوداء  تساعدنا على استكشاف عبقرية الواعية الفردية والجماعية ؛ إنما محاولة الكشف عن غموض كينونته الاحتمالية صفة مميزة له ضمن إجراءات تنظيم دلالاته المتجددة ؛ لأن النص الأدبي ـ اليوم ـ يحمل دلالات متنوعة وفق ما تحدده القراءات المتعددة التي تختلف هي الأخرى باختلاف المكونات الإدراكية للقارئ المنفتح على إطاره الحضاري الذي ينتمي إليه، ضاربا بذلك لازمة الانكفاء على أحادية التصور، متخذا سبيل الانفتاح كقوة دلالية لتفجير مكبوته المكتوم. وقد لا نستغرب إذا وجدنا دراساتنا الأدبية تميل، نسبيا ـ عن نظرتها الأحادية، القائمة على البناء التقويمي في إبداء الحكم الفصل، أو بالتوجه إلى النموذج المثال ؛ لأن الدراسة في هذا المنظور كانت خاضعة ـ بغير إرادة منها ـ لظاهرة الواحدية في كل شيء، تبعا لفكرة ” احترام النظام السائد“.

   ومن ثمة، فإنه لم يعد للأزمنة الأدبية السابقة ذلك الاهتمام، كما كان من ذي قبل، لاستجلاء الغوامض، وبلورة ملامح النص المختلفة، فاستبدَلت المعايير الجديدة هذه المصطلحات: [ نظرية النص، الشعرية، التأويلية، السيميائية، نظرية القراءة، النقد التفكيكي، النقد الجذري،.. وغيرها، بالمعايير العتيقة، حين التعامل معها بوصفها مؤشرا يضيء محيط النص.

   وفي هذه الحال، انتقل ” الدرس ” من تحليل الكتابة، إلى كتابة إبداع مستمر، وخلق لاحق، لنص سابق، يلحّ على طرح السؤال. وبذلك كان النفاذ إلى أعماق النص بغية استكناه المعنى الخفي عبر آليات السيميائية  التأويلية  في مداخلتنا هذه بمثابة مغامرة تعمل على تتبع الحركية التركيبية، واتساع فضائها الإشاري.

   إن اعتراض القراءة التأويلية على افتراض: ” النص جواب جاهز ” لسؤال ينبع من تمثل التجربة الإبداعية كمعطى جمالي في ذهن المتلقي إنما مردّه أن جمالية التلقي ـ هذه ـ تخضع لمعايير التأويل التأملي المتجه نحو كومة من التساؤلات التي لا تستقر، ولا تنتهي إلى  جواب، وهكذا يدخل النص حلبة التبادلات بين الأسئلة والأجوبة، لتتحول القراءة السيميائية في تأويلها المشروط إلى رهان تساؤُل الخطاب،  ومكاشفة أوليات الكتابة الكامنة في مأزق الذات وتفاعلاتها، ومن ثم يؤدي كل نص إلى طرح سؤال جديد، وهكذا تتعدد المعاني بتعدد الأسئلة، بحيث يتوارى خلف كل سؤال أفق لتوقعات منتظرة.

والنص – في هذه الحال –  إثارة السؤال، وتحريك التراكم المعرفي، يحفز المشاعر، وينتصر على الثوابت فيه، تقوم صياغته في بنية فهمه على  متغيرات القراءة التي تخلق فيه الجديد، وتزيح عنه الثوابت، لكشف مكوناته، وهو ما يجعل القارئ يتعدد، ويتغير، بتغير القراءات. وشيء طبيعي أن تتغير القراءة نحو تطوير الفهم استجابة لمتغيرات العصر ومتطلباته المستحدثة فيه، طبقا لما نسعى إلى تحقيقه في لحظات الكشف والرؤيا.

وإذا اتفقنا على أن القراءة خلق جديد للنص، فإنه ينبغي أن يكون فهمنا لفعل هذا الخلق مسايرا لحركة ” التطوير“، مائلين ما أمكن عن ” التطوّر * بغرض العمل في السير نحو الاتجاه الصاعد، قصد شمولية فهمنا لمدركات واقع النص وتجلياته التي تعكس محتوى التجربة الإنسانية، ومن ثم يكون فهمنا لمدركات الحقيقة نابعا من ” تطوير” مسار وعينا نحو تعدد قراءاتنا في طابعها الإيجابي الذي تنحوه بفعل عامل ” التطوير “، مقابل ” التطوّر ” في معناه الشمولي الذي يشكل الترابط بين السلبي والإيجابي في علائقه المتداخلة.

 ومن هنا، يكون فعل ” التطوير” في قراءة التأويل نابعا من واقع الكشف بعد الفهم والإدراك، بينما يكون فعل ” التطوّر ” لمدلول التأويل خاضعا للشرح والتحليل بين الذات والموضوع، وهذا ما يميت النص، ويجعل منه تفسيرا قصديا، يتطابق مع الخانة التي نرسمها له، ضمن إطار قولبة الاتجاه، من دون أية دوافع تحررية لانبعاثه. 

إن واقع سيميائية القراءة [ المتعددة ] في طابعها المشروط لتأويل الفهم يمنحنا المقدرة على إضاءة ” المعهود “، والكشف عنه وفق جسر يربط الماضي بالحاضر على ضوء ما يقتضيه  ” الراهن ” للتعبير عن تجليات الحياة الاستشرافية. هذه هي أهداف القراءة المتعددة التأويل، وهي مهمة تنحصر في فهم تساؤل الخطاب لا في استيعاب القراءة الظاهرة ؛ لأن تساؤل النص وفق تنوع القراءة، ونوعية الاستيعاب الباطني، يتخذ طابع القراءة المنتجة لنص لاحق، يمنح النص السابق فعالية الدفع إلى الاستشراف، يشبه أن يكون خطابا مستقلا قائما على الإقناع، بعد الأخذ بضرورة فهم النص الأول نتيجة القراءة التأويلية المنتجة، والمتجاوزة حدود اليقين إلى الدخول في عالم الاحتمال. لذا ؛ فإننا لا نستطيع أن نراهن على برهنة الإقليمية المعرفية للنص، كما أنه لا ينبغي أن نشك في القراءة التي تتعامل مع النص بوصفه ممكنا، يتجاوز الواقع ليذوب في ” لا محدودية التأويل ” المحتمل، وذلك شأن المعارف الإنسانية التي تدعو إلى أن تصبح قابلـة “للتطوير “، بشيء يسمح لها بتوالد النتائج من النصوص عبر القراءات المتساوقة، وضمن حقول التوافق بين السبب والمسبب، وفق تحاور النصوص، وفي سياق الفهم، للدخول في عالم الخلق.

القراءة والتأويل: خلق معنى جديد

القراءة في هذا السياق لا تقتصر على مجرد استقبال النص أو فهم محتواه الظاهر، بل تتحوّل إلى فعل وجودي يتفاعل فيه القارئ مع النص ليصبح شريكًا في عملية الإبداع. النص، بوصفه كيانًا مفتوحًا، يحمل إمكانات لا حصر لها من الدلالات، وهذه الإمكانات لا تتجسد إلا حين يخوض القارئ تجربة التلقي الفعلية، حيث تتشابك ذاكرته الشخصية، وخبراته الثقافية، وانفعالاته الوجدانية، مع الإيقاعات الداخلية للنص ذاته. هنا تتجلى القدرة التأويلية على تحويل النص من مجرد سلسلة من الكلمات إلى فضاء حي ينبض بالمعنى، فضاء يتيح للقارئ مواجهة ذاته، واستكشاف طبقات وعيه، وتمثل تجربته الفردية في صورة فكرية وجمالية متجددة.

التأويل بهذا المعنى ليس إعادة إنتاج للنص، بل إعادة خلق له. إنه عملية تحرير للمعنى من قيوده الظاهرية، وتجديد لدفقه في أفق لا نهائي من الاحتمالات. فالنسق الذي يولّده القارئ في أثناء التأويل ليس نسخة مطابقة للنسق الأصلي، بل هو نسق جديد ينشأ من التفاعل الحي بين النص ووعي القارئ. من هنا، يصبح النص ليس مجرد موضوع للقراءة، بل حوارًا مستمرًا، حيث يعمل كل جزء من الوعي القارئي على تقديم إسهاماته الخاصة في بناء معنى يتجاوز الحدود الأولية للنص.

وفي هذا الفضاء التأويلي، يتجلى النص بوصفه مرآة للوعي، ليس فقط لمعرفة ما يقصده المؤلف، بل لمعرفة ما يثيره داخل الذات. القراءة تصبح تجربة توليدية، تُعيد تشكيل النص باستمرار، وتتيح للقارئ أن يتحول من مجرد مستهلك للكلمات إلى صانع للمعنى. هذا التحول لا يعكس فقط القدرة على الفهم، بل القدرة على خلق معنى جديد، معنى يتجاوز النطاق الظاهر للنص ليصل إلى قلب العلاقة بين اللغة والوجود، بين الكلمة والوعي، بين الحلم والحقيقة.

الخلق التأويلي للمعنى هنا يتخذ بعدًا فلسفيًا عميقًا، فهو يقترح أن النص لا يكتمل إلا في لحظة التفاعل الحي مع القارئ، وأن كل قراءة هي قراءة فريدة، لا تتكرر. بهذا تتحول القراءة إلى فعل إبداعي، يتداخل فيه الإدراك، والخيال، والذاكرة، والرغبة، لتشكل نسيجًا جديدًا من المعنى. ولعل في هذا الفعل ما يعيد إلى النص حيويته، ويحوّله من كيان ثابت إلى كائن ديناميكي، قادر على التفاعل مع مختلف الوعيات، ومستعد دائمًا لتوليد معنى جديد بحسب الزمن والمكان والقارئ نفسه.

هكذا، فإن عنوان القراءة والتأويل: خلق معنى جديد لا يشير إلى فعل بسيط أو تقني، بل إلى فلسفة كاملة للوعي، حيث تصبح القراءة ممارسة للحرية الفكرية، واكتشاف الذات، وإعادة توليد المعنى، بحيث يتحول النص إلى مساحة مفتوحة تتجاوز حدوده الأولية، ويصبح فعل التأويل تجربة وجودية تنير العلاقة بين الإنسان واللغة، بين الذات والنص، بين المعنى والوجود.

  مرَّ بنا – إذن – أنه إذا كانت طرائقية التأويل تبدو فلسفة للقراءة المعاصرة لدى البعض فإنها دوما تساير النص منذ نشأته، وبالتحديد منذ  نشأة ” النص المقدّس ” المنطلق من تواز، أو موازنة بين معنيين، المعنى الحرفي وهو العهد القديم، والمعنى الروحي وهو العهد الجديد. وقد تجاوز هذه الثنائية إلى ثلاثية، فرباعية، وهي المعنى الحرفي، والتمثيلي، والخلقي، والغيبي. [1]      

أما بعد مجي الإسلام فإن طرائقية التأويل تجد متنفسها لدى مقاصد المفسرين ضمن  اتجاهاتهم المختلفة، حتى إنك لا تستطيع أن تحصي الأشياع والمذاهب المتشعبة لخوضهم في مبدأ تأويل النص الإلهي. ولعل من بين هذه الفرق التي لا تحصى ولا تعد، نذكر على سبيل المثال: الشيعة، والمعتزلة، والمتصوفة، والفلاسفة، وإخوان الصفا، وقد اتخذ بعضهم المصحف كله موضع تأويل على الرغم من اختلاف مستويات خطاب آيات الأحكام والقصص والتمثيل..وانتفى آخرون ما رأوه خادما لمقاصدهم المختلفة، بيد أنه يمكن الزعم أنهم جميعا استثمروا الآيات الوارد فيها التمثيل بكيفية صريحة، أو ضمنية.[2] وهذا في الواقع هو الطرح البلاغي الذي نحاه القدامى على شكل التعبير غير المباشر للدلالة على الصيغ المجازية والتي كثيرا ما كانوا يطلقون عليها أسلوب المماثلة، وهو ما ذهب إليه أبو هلال العسكري  في قوله: ” كأن يريد المتكلم العبارة عن معنى فيأتي بلفظة تكون موضوعة لمعنى آخر، إلا أنه ينبئ إذا أورده عن المعنى الذي أراده ” [3]، فكانت المماثلة والمجاز من أساليب البلاغة المعتمدة، وأوسعها تقبلا للإفادة على استعمال اللفظ، للدلالة على غير ما تدل عليه الكلمة المباشرة على سبيل طرحها الظاهري، وهو ما تفطن إليه القدامى للتفرقة بين الحقيقة والمجاز، أو بين الكلمة في نقلها الظاهر وما يحتويه مدلولها الباطن القابل للتأويل بحسب مقتضى الحال، على حد ما عبر عنه عبد القاهر الجرجاني من حيث: ” اللفظ أصلا مبدوءا به في الوضع ومقصودا، وأن جريه على الثاني إنما هو على سبيل الحكم يتأدى إلى الشيء من غيره [4] ؛ وذلك على نحو المجاز للدلالة على مقصد آخر غير الذي يحمله المعنى الظاهر، القصدي المباشر.

   ولم يقتصر منظور القدامى لمفهوم التأويل على حد تعرّضهم للنص المقدّس، وإنما تعدى ذلك  إلى كل ما له علاقة بالعمل الإبداعي، وحتى في أثناء قراءاتهم لعمل ما كانوا يدعون إلى أن تكون هذه القراءات مفتوحة[5] بحيث  نلفيهم يولعون ولعا شديدا ببعض النصوص، كما حدث مثلا لشعر المتنبي الذي وصلنا من التراث أكثر من قراءة، ومثل ذلك يقال في حماسة أبي تمام، كما يقال نحو ذلك أيضا في مقامات الحريري.

   وهكذا فقد ذهب القدامى في خطابهم إلى التعامل مع الإشارة الموحية، أو الإحالة الدلالية، حتى ولو كان ذلك عفويا، وهو نوع من الأساليب البلاغية التي نجد فيها القدر الكبير من الأنساق الخاضعة للسياق التأويلي، وإنها تشكل ثورة على انضباط النص المقصود الذي يسلكه أنصار المدرسة الظاهرية الشائعة في عصرهم.

   صحيح أن الظاهريين من قدمائنا كانوا متشددين في فتح باب التأويل من الباطنيين، من حيث النص هو خطاب ظرفي يعايش القارئ في حالة حضوره الدائم، وبوصفه أيضا ـ وهذا هو المهم ـ يتجه نحو عقلنة ” المدلول ” وفق أنماط القراءة الثابتة التي تركز الانتباه نحو ماهية النص من دون إعطائه الاستبعاد الاحتمالي للاستخدام اللاحق بقصد تطوير الواقع الظرفي في النص إلى أن يصبح في حالة حضور، يتعدد بتعدد القراءات، ويتجدد بتجدد الأزمنة، بحسب المناسبات والظروف التي تمنح النص صفة القصدية النفسية، يكون لها وجودها النوعي المعياري، وفق الطبائع والكفاءة الثقافية للمؤول، ومهارته في استخدام التلميحات المناسبة لمعطيات النص.

   ولعل هذا ما أدركه، قديما، أبو حيان التوحيدي الذي ذهب في معرض حديثه، عن تقسيم البلاغة، إلى بسط كيان التأويلية، وهو اعتراف ضمني، ربما لأول مرة في تاريخ تراثنا النقدي بوصفه وثيقة فعلية لروح فعالية التأويلية في الدراسات العربية القديمة، يقول في هذا الشأن: البلاغة ضروب، فمنها بلاغة الشعر، ومنها بلاغة الخطابة، ومنها بلاغة النثر، ومنها بلاغة المثل، ومنها بلاغة العقل، ومنها بلاغة البديهة، ومنها بلاغة التأويل. وأما بلاغة التأويل فهي تحوج لغموضها إلى التدبّر والتصفح، وهذان يفيدان من المسموع وجوها مختلفة كثيرة نافعة، وبهذه البلاغة يتسع في أسرار معاني الدين والدنيا، وهي التي تأولها العلماء بالاستنباط من كلام الله U، وكلام رسوله e في الحرام والحلال، والحضر والإباحة، والأمر والنهي، وغير ذلك مما يكثر، وبها تفاضلوا، وعليها تجادلوا، وفيها تنافسوا، ومنها استملوا، وبها اشتغلوا. ولقد فقدت هذه البلاغة لفقد الروح كله، وبطل الاستنباط أوله وآخره. وجولان النفس، واعتصار الفكر إنما يكونان بهذا النمط في أعماق هذا الفن. وههنا تنثال الفوائد، وتكثر العجائب، وتتلافح الخواطر، وتتلاقح الهمم، ومن أجلها يستعان بقوى البلاغات المتقدمة بالصفات الممثلة، حتى تكون معنية ورافدة في إثارة المعنى المدفون، وإنارة المعنى المخزون.[6]

والتأويلية تبعا لرأي التوحيدي ـ بعدما كانت قائمة على نظام الأدلة والحجج في توضيحها للنص المقدس، أو من حيث كونها تعتمد التبرير البرهاني للنص الفقهي ـ أصبحت فيما بعد تشرك القارئ في تعميم طرائق وظائفها الدلالية المعتمدة على تنوع المعارف المتميّزة، وبذلك انفلتت من هذا التبرير البرهاني إلى إطلاق العنان للمجمل العام من أبعاد المعنى وفق بناء تسلسل الأفكار في اندماجها النفسي مع المعطى الخارجي، بمقدار ما تتقبله الوظيفة العقلية لدلالة التأويل بوساطة الخيال الذي يمنحنا خصوصية حرية التحرك بين فعل مقصدية المعنى، وافتراضية التصور لهذا المعنى الصريح، وإذا كان معظم نقادنا القدامى يتصلون في شكل دراساتهم بالتجربة الظاهرية، فإن التجارب الصوفية تتجاوز المألوف للخوض في معرفة العوالم الباطنية بإرجاع الأمور إلى أصولها قصد إدراك المعاني الخفية، وهذا هو شأن فكرة التأويل عندهم التي تقوم على الفهم الكشفي، بينما هي في نظر الفقهاء ـ ومن تبعهم من الدارسين في حقل كثير من المعارف ـ قائمة على الفهم السطحي بما يحمله من ظنون واحتمالات مرهونة بواقع الحال.

   إن فكرة الصراع بين الظاهر والباطن شائعة في حقل معارف القدامى بخاصة عند المتصوفة، ويمكن عدّ ابن عربي أحد أقطابها البارزين الذين اهتموا بقضايا التأويل، وجعلوا له مخرجا على المستوى الوجودي بفكرة البرزخ، وعلى المستوى الإنساني برحلة العارف الخيالية [7]، من أجل الكشف عن جوهر المعرفة.

في ضوء هذه الرؤية، يمكن النظر إلى النص الأدبي بوصفه فضاءً حيًا للوعي، يمتدّ إلى القارئ بما يفوق حدود الوظيفة التعبيرية التقليدية للكلمة. النص هنا ليس مجرد ناقل للمعنى أو حاوية للمعلومة، بل ساحة مفتوحة للتأمل والبحث الوجودي، حيث تتفاعل الرموز والمجازات مع خبرة القارئ وتجربته الذاتية ليولد من جديد معنى متجدّد. في هذا الفضاء، تصبح القراءة فعلًا فلسفيًا، وتمرّ تجربة النص من حالة التجسيد الظاهر إلى مستوى التأمل العميق، بحيث يُتاح للقارئ مواجهة ذاته، واستكشاف أبعاد الوعي الداخلي من خلال صدى المعنى المستتر في الرموز.

إن التجربة الشعرية أو الأدبية تتحوّل في هذا السياق إلى عملية وجودية ذاتية، تتجاوز البحث عن حقيقة خارجية أو تفسير محدد، لتصبح رحلة في داخل الذات. يتحرك القارئ داخل النص كما يتحرك الشعر ذاته، متأملًا في الإشارات والدلالات، ومُعيدًا تركيب العلاقة بين ما هو ظاهر وما هو خفي. هذا التفاعل يشكل قلب فعل التأويل، إذ لا يكتفي القارئ بفهم المعنى الحرفي، بل يشارك النص في خلق معنى مستمر ومتعدد الأبعاد، يتشكل بتأثير السياق الداخلي للنص وتجربة القارئ الفردية، وكذلك بمقدار ما تسمح له الثقافة والوعي بالانخراط في لعبة الدلالات المفتوحة.

في هذا الإطار، تتحول الرمزية إلى أداة لاكتشاف الذات والوجود، والمجاز إلى مفتاح يمكن من خلاله تجاوز السطح الظاهر للأشياء إلى جوهرها الخفي. فالنص يطرح أسئلة مفتوحة، ويخلق فجوات معرفية تتطلب من القارئ الانغماس في التفسير والتأمل، في حين يظل المعنى النهائي متحركًا، لا يُغلق إلا في حدود إمكانات التأويل التي يتيحها النص. وهكذا يصبح كل قارئ مرآة خاصة للنص، يرى فيه انعكاسًا لتجربته الذاتية، وللسياق الحضاري والفكري الذي ينتمي إليه، بينما يظل النص حاضرًا في ذاته، ككائن لغوي حي يتنفس ويستعيد معنى جديدًا مع كل قراءة.

من هنا يظهر دور القراءة التأويلية ليس في مجرد استيعاب المعنى الظاهر، بل في تحويل التجربة القرائية إلى فعل استبطان وإبداع شخصي، حيث يتيح النص للقارئ أن يتتبع تراكب الدلالات، ويعيد إنتاجها وفق رؤيته الذاتية، في حركة مستمرة بين الإدراك الظاهر والباطن. إن هذا الفضاء القرائي، بهذه الصورة، يمثل امتدادًا للوعي الإنساني، إذ يصبح النص كائنًا حيًا يتشارك مع القارئ في التشكّل والمعنى، ليصير التأويل ممارسة حية للوجود، ووسيلة لإعادة تركيب التجربة الإنسانية في سياقها الفردي والجماعي، بما يفضي إلى إدراك أعمق للزمان، والمكان، والذات، والآخر، في انسجام مع روح النص وإشاراته الموحية.

بمعنى آخر، النص بهذا التأويل ليس مجرد خطاب ثابت، بل فضاء احتمالي متجدد، تتحرر فيه الرموز والمجازات من حدودها التقليدية لتصبح أدوات لاستكشاف الذات والعالم، وتفتح أمام القارئ أفقًا لتجربة الوعي والوجود، حيث يتحول كل اكتشاف دلالي إلى لحظة وجودية، وكل قراءة إلى خلق جديد للمعنى، بما يجعل النص رحلة مستمرة في استنطاق الذات عبر واجهة الكلمات والرموز، في تفاعل لا ينتهي بين النص والقارئ، بين الحاضر والماضي والمستقبل، بين الحقيقة المحتملة والخيال الممكن.

تجربة القراءة: انعكاسات الذات في النص

تمثل تجربة القراءة بوصفها انعكاسًا للذات في النص لحظة تأملية تتجاوز الفهم السطحي للكتابة، لتصبح مساحة وجودية تتفاعل فيها الذات مع النص بطريقة ديناميكية مستمرة. هنا، النص ليس مجرد سلسلة من الكلمات أو الجمل، بل فضاء مفتوحًا يحمل إمكانيات متعددة للمعنى، متحولًا حسب إدراك القارئ وخلفيته الثقافية والفلسفية وتجربته الشخصية. في هذه التجربة، القارئ لا يقتصر على استقبال المعنى كما هو محدد ضمنيًا من المؤلف، بل يصبح شريكًا في عملية توليد المعنى، حيث تعكس القراءة مواقف القارئ النفسية والفكرية والعاطفية، فتسهم في تحويل النص إلى تجربة حية تتطور في كل لحظة من اللحظات التي يقرأها فيها.

يمكن النظر إلى النص هنا كمرآة متعددة الأوجه: كل قارئ يرى فيه انعكاسًا مختلفًا، بحسب طبقات خبرته ووعيه الذاتي، فتتشابك تجربة القراءة مع رحلة التأمل في الذات. التجربة لا تقتصر على الفهم الظاهر، بل تمتد لتصبح مواجهة مع الرموز والمجاز، وإعادة تشكيل للمعاني الكامنة في النص. كل كلمة أو عبارة قد تفتح بوابة للذاكرة أو للخيال، فتثير في القارئ تأملًا داخليًا يعيد صياغة فهمه للوجود، للزمان، وللعالم المحيط به.

القراءة بهذا المعنى هي فعل وجودي، لأن القارئ يعيد إنتاج النص في وعيه، ويحول التجربة الشعرية أو الأدبية إلى ممارسة نفسية وفكرية، حيث يصبح النص جسراً يربط بين الذات الفردية والتجربة الإنسانية العامة. هذه العملية تجعل من النص كائنًا حيًا في كل قراءة، متحولًا ومتجددًا، في حين تبقى انعكاسات الذات هي المؤشر الأساسي على عمق التجربة، وعلى قدرة القراءة على إعادة توليد المعنى وتوسيع آفاقه.

إن النص الأدبي يتحول في لحظة القراءة إلى مرآة تعكس القارئ على ذاته، فتختلط في هذه العملية التجربة الشخصية بالمضمون الشعري أو السردي، ويصبح المعنى ليست ثابتًا ولا متاحًا للإدراك الحرفي، بل نسقًا متغيرًا يتشكل بتأثير الخلفية الثقافية والنفسية والفلسفية للقارئ. في هذه المرآة، لا يعكس النص الواقع الخارجي فقط، بل ينشط وعي القارئ ليعيد تركيب ذاته في علاقة مباشرة بالمادة الأدبية، بحيث يصبح التأويل فعلًا تفاعليًا وإبداعيًا، يقيم رابطًا حيًا بين النص وقراءة الفرد. كل قراءة هي مواجهة جديدة مع الرموز والمجازات، وكل استجابة لها تكشف عن البنية النفسية والفلسفية للقارئ، عن مواقفه تجاه الحياة، وعن تجاربه الوجدانية، ليصبح النص ليس فقط كيانًا مستقلًا بل حاضنًا لتجارب القارئ ومرتكزًا لتحول وعيه.

في هذا الإطار، يتحرر النص من أي سلطة ثابتة للمعنى، ويخضع للانفتاح على احتمالات لا متناهية، بحيث يمكن لكل قارئ أن يُعيد إنتاجه وفق تجربته، مما يجعل كل قراءة خلقًا جديدًا للمعنى. النص هنا ليس مشروعًا معرفيًا محكومًا بمعايير خارجية، بل فضاءً حيويًا يتفاعل فيه التأويل مع التجربة الذاتية للمتلقي، ليؤدي إلى تحول مستمر للمعنى نفسه. كل إشارات النص، وكل رموزه، تصبح محاور لتقاطع الخبرات الفردية والثقافية للقارئ، بحيث يتحول النص مع كل قراءة إلى تجربة مختلفة للوعي، تجربة تُعيد تشكيل الواقع النفسي والفلسفي للفرد.

هذا التحول يجعل القارئ ليس مجرد متلقٍ، بل شريكًا في إنتاج النص. فالقارئ يسهم في خلق طبقات جديدة من الدلالات، ويعيد تنشيط النص القديم ليصبح مصدرًا للتجربة التأملية والفكرية، وهو ما يعكسه التيار التفكيكي، الذي يجعل من القراءة لعبة حرة لا تقف عند حدود المعنى الظاهر، بل تمتد إلى استكشاف الإمكانات اللا محدودة للغة والنص. في هذا الفعل، تظهر العلاقة بين النص والقارئ على أنها حوارية متعددة الأبعاد، حيث يطرح النص الأسئلة ويترك المجال للقارئ ليكملها بما يتوافق مع وعيه وتجربته، فيصبح النص متنفسًا للوعي، ومرآة للتجربة الإنسانية المزدوجة بين الذات والآخر، بين الحاضر والتجربة الماضية، بين ما هو محتمل وما هو متحقق.

ومن هنا، يتحقق مفهوم التحول في القراءة: كل قراءة هي تجربة جديدة، معنى متغير، ووعي متطور، حيث يتحول النص مع كل قارئ، ومع كل مرة يُقرأ فيها، ليصبح كائنًا حيًا قادرًا على إعادة تشكيل ذاته باستمرار. هذه الديناميكية تجعل من النص الأدبي مساحة للانعكاس الذاتي والتأمل الفلسفي، ومسارًا لتفكيك البنى النفسية والثقافية للقارئ، وتحويل التفاعل مع النص إلى عملية وجودية تتيح للوعي التحرر من القيود التقليدية للمعنى، وصولًا إلى تجربة مستمرة من التجدد والتعددية الدلالية.

   صحيح أن قدماءنا لم يهتموا بطرح باب التأويل في مضامينه المعيارية، كما هو عليه الشأن في الدراسات الحديثة، لكن الذي لا ينبغي إنكاره أن عرض تحديد مصطلح التأويل كان سائدا لدى بعض الأصوليين والبلاغيين حتى ولو كان ذلك بدافع المنهجية الوصفية التي فرضت هيمنتها على الممارسات الإجرائية لجمالية النص الناتجة عن التقويم التفسيري، قصد الوصول إلى غرض الفهم، وذلك خلافا لفهمنا اليوم لمصطلح التأويل الذي يتجنب التعامل مع القراءة ذات التوجه ” الواحدي ”  إلى اقتراح نماذج بحسب التفاعل المتبادل مع المتلقي حتى يكون هناك نوع من التماسك بين فعل النص، واندماج القارئ النفسي، لإعادة تركيب تشاكل النص، وفق بصمات مشاعر الخبرة الثقافية لكل قارئ وتجربته في الحياة.      

   وبذلك يكون مصطلح التأويل في دراستنا اليوم قائما على إعادة ما نملكه من رصيد معلوماتي، وبلورته في سياق التجربة، لإعطاء سلطة النص صفة التحرر من قيود خلق الصور التي تحفز الانعكاس الإدراكي لمعنى التأويل، وهذا ما تنادي به الدراسات الحديثة والتي قعّدت له بعض التيارات الغربية، أهمها التيار التفكيكي الذي يتزعمه ” جاك دريدا ” بإعطاء الأدوات المعرفية الشأن الأعظم لحيثيات النص الذي يمكن أن يقرأ بتجاوز لمعناه التواضعي والاصطلاحي، وهذه القراءة هي نوع من اللعب الحر، وعلى هذا الأساس، فإن تأويلات النص، وتعدداتها، متعلقة أساسا بمؤهلات القارئ…وأن السياق العام ومساوق النص لا أهمية لهما في التأويل ؛ لأن المقصود ليس الوصول إلى حقيقة ما يتحدث عنه النص، وإنما الهدف تحقيق المتعة[8]، والكشف عن طبيعة المقاربة  الجمالية للتفكير الحر القائم على ” المزاج ” المنطبع من النفس، من حيث كونه نشاطا ذوقيا، والخبرة بوصفها قيمة تمنحنا الاستجابة لتأثيراتنا المحسوسة التي تستند إلى التطورات اللاحقة لمعايشة واقعنا الممكن.

   وقد يكون من المجحف أن نقوّل نقادنا المعاصرين بالخوض في الحديث عن مدركات باب التأويل بوصفه مصطلحا نقديا له مغزاه السائد في دراستنا الأدبية، وعلى افتراض أنه وارد، وهو ما لا ينبغي إنكاره أيضا، بتحفظ، فإنه لا يرقى إلى مستوى طروحات السبيل المراد، وأكثر من ذلك، فلا يتعدى مرحلته الثانية ” التفسير ” بعد الفهم، وهو ما آل إليه عبد الملك مرتاض الذي عدّ سياق التفسير بديلا لعلم التأويل [9] منهجا ضروريا للخوض في عالم النص ولتفكيك الصياغة الظاهرة، وتعدد معناها بقصد الوصول إلى التشاكل المتعدد لباطن النص ؛ لأنه ليس ينبغي الاستنامة إلى مستوى واحد من التأويل؛ لأن النص سيظل خاما بدون تأويل، ومستغلقا بدون تحويل [10]. ولأن قراءة البعد الأحادي تعد بمثابة الشرط المقحم الذي يؤكد قتل النص، ويجرده من تحقيق الكينونة. والتأويلية هنا تطارد صفة الصيرورة لكائن النص، وتندمج مع واقع السيرورة في حداثية النص بفضل سيولة  التخمينات التأملية التي تظل ممكنة.

   إن خصوصية التأويلية تكمن في البحث عن الأنساق العامة التي تتجلى في اكتناه الذات المبدعة بوصفها الكيان المرجعي لاستحضار تصور نتاج الضمير الجمعي في تعامله اليومي ؛ لأن التأويلية لا ترتبط بـ ” الماحدث ” بوصفها إطارا مرجعيا ثابتا، وإنما نزوعها إلى شبكة الاحتمالات صفة متداولة لـ  ” المايحدث ” لاستكشاف البعد التأويلي، بحيث يخلق من النص الأول نصا ثانيا يتشظى في نص آخر، فتقترب النصوص فيما بينها لتشكل مجريات التناص عبر تفكيك الصورة الكلية إلى وحدات جزئية يكون التأويل فيها متساوقا مع وحدة الرؤيا الممكنة، ووحدة نتاج تفاعلات المحصلات الخبرية المتساوقة والمتصارعة لتوليد أشكال جديدة من التأويلات.

   ومن ثم، فإن سياق التأويل لا يحكمه مقياس ” الرؤية ” الموجهة لمعرفة الحقيقة، وإنما يعتمد بالأساس على سياق منطق الباطن الذي لا تحدّه مفاهيم مسبقة تحيط بالمتلقي ليؤثر فيه، بل غياب الطريق يصبح شرطا أساساً للمعرفة غير المتحيزة لدى القارئ الذي يسلم سلطانه للعالم المجهول في أثناء عملية القراءة التي هي في عداد ” التأويل التوليدي ” من أجل خلق التأليف الثاني.

  فضاء التأويل / حوارية النص

إن راهن النقد الأدبي في طابعه المشروط لتحليل الأثر، يمنحنا القدرة على تتبع الأعمال الأدبية، والفكرية، وفق ما تستكشفه الملامح التي توضح اتجاه النص، من حيث كونه كيانا يجمع فرضيات متعددة على الجمال الإبداعي.

   فإذا كان النقد الأدبي القديم يعد موجها، ورقيبا، لما ينتهي إليه بإصدار الأحكام، بناء على خلفيات تحددها قواعد مضبوطة، فإن نظرية القراءة، والنقد المعاصر على وجه العموم يحتوي على قدر كبير من الليونة، بوصفه مسهما  ـ وليس طرفا ـ في ممارسته للعملية الإبداعية، نظرا إلى ما تتخذه هذه الأخيرة من احتمالات دلالية تسمح بتعددية المعاني التي تتفاعل فيها المتعارضات.

   وإن تساؤل النص من منظور نقدي متعدد المفاهيم والطروحات يتخذ طابع الاحتمال المعرفي الذي تسعى إلى تحقيقه العلوم الإنسانية ؛ ذلك أن النص في منظور النقد المعاصر لم يعد يتحمل القوالب الجاهزة، من حيث كونه علبة سوداء للنفسانيين الذي يتخذون منه مادة توضح اتجاه المؤلف من أثره، ضمن العوامل النفسية التي تكوّن شخصيته، كما أنه لم يعد يستسيغ التقريرية تبعا لطبيعة اللون المعبر عنه، والراية الإيديولوجية التي ينتمي إليها، وأكثر من ذلك فإن النقد المعاصر لم يعد يتبنى أحادية التصور في طرحه لبعض الفرضيات التحليلية، كما أنه يتجاوز الطروحات الضيقة التي تعتمد اللغة بوصفها بنية قائمة على مبدأ ثابت، وأنه يوضح الاختلاف بين دالين عن طريق رصد الملامح الجمالية المجردة في نشاطها البياني، وهكذا مع بقية النظريات التي تجعل من النقد صفة ثابتة  قائمة على أحادية التصور من حيث البناء التقويمي في إبداء الحكم الفصل، ضمن وجود عناصر وملامح دلالية مشتركة، تكتسب استنتاجاتها وتقديراتها من الرؤية الخلفية.

   وفي هذه الحال، يمكن اعتبار النقد قيمة تفرض على الدوام وجود محور معين، ومركز ثابت، وأصيل، ينبغي الاحتذاء به في صورة النموذج المثال، غير أن هذا لا يوضح إلا  الوجه الخارجي للصورة من منظور فعل القول، لا لشيء إلا لأن كل استقراء خارجي لا يحمل إلا نزعة التعبير عن بصمات واعية قصدانية، تصب في غاية مستهدفة، نابعة بالأساس من الانصياع للاتجاهات، أو المدارس التي تعتمد التقنيات الصارمة منهجا لها.

   إن النقلة الحداثية لفعل الفكر في تأسيس النقد الجديد تستجيب بالضرورة لسيرورة متطلبات العصر في جميع ميادينه، ومن ثم، فلا غرابة ـ إذن ـ أن يعكس النص طبيعة التفكير البشري ـ المتسم بطابع التقلب السريع في بداية الألفية الثالثة ـ الذي تعمه الفوضى البراغماتية، ضمن ما يحتويه التعامل الإشاري في دلالته المفككة، لذلك جاءت السيميائية التأويلية في سبيل القضاء على نظرية المحاكاة الأرسطية، كما جاء ـ مثلا ـ نظام اقتصاد السوق في القانون الاقتصادي لفرض حكم البقاء للأقوى، وإعطاء الحرية في التعامل،، ومن هذا المنظور لم يعد للمعارف الإنسانية ـ التقليدية ـ ذلك الاهتمام، كما كان من قبل؛  لاستجلاء الغوامض، وبلورة ملامح النص المختلفة، فاستبدلت المعايير الجديدة هذه المصطلحات: نظرية النص / الشعرية / التأويلية / السيميائية / نظرية القراءة / النقد التفكيكي / النقد الجذري / النقد الثقافي/، وغيرها بالمعايير العتيقة حين التعامل معها كمؤشر يضيء محيط النص. وفي هذه الحال انتقل ” الدرس ” من تحليل الكتابة إلى كتابة إبداع مستمر، وخلق لاحق لنص سابق، يلح على طرح السؤال [11].

بلاغة التلقي:

   إن القدرة على تواصل الفاعلية النقدية، من منظور نظرية القراءة، التي تكتنفها هالة من الممكنات، هي بالأساس قدرة على تمكين الناقد من فرضياته الموجهة التي تربطه بقارئه رابطة ” الفهم اللامتناهي” ؛ لأن من شأن القراءة النقدية أن تورّث الاستمرارية في الخلق حتى يسمح للنص بالانتشار عبر مجازاته المفتوحة، وإذا كان الأمر كذلك فإن القراءة التواصلية بوصفها رسالة ذات وظيفة مرجعية ـ للبدء من حيث انتهت مهمتها – تمنحنا القدرة على اكتناه العالم الباطني، من أجل ترك المجال للعالم التخييلي حتى يؤدي وظيفته بتصويب هويته للرؤيا الانفتاحية، بعيدا عن تداول النص لذاته، أو كما يسميه “رولان بارت” Roland Barthes  بلذة النص ؛ لأن في هذه المتعة ما يبعد المكانة الاستراتيجية التي يتوخاها النص، في تعاملنا النفعي معه. وهكذا، فإذا كانت صلاحية المقروئية الانتاجية تسبر الأعمق، فإن النص بوصفه تتويجا للانقتاح، عليه أن يحتوي قدرا كبيرا من القواعد الجمالية المؤهلة لذلك، على اعتبار أن هذه المواصفات الجمالية تضعنا أمام تحقيق فعل النص الأول، تشترك فيها بصمات القارئ المنتج عبر توالدية الطروحات والأفكار.

   ولكن، كيف يكون النص الأدبي ممكنا بوصفه رسالة لفهم اللامتناهي ؟!.. وكيف تكون هذه الرسالة افتراضية فعلا، تؤدي إلى نتيجة نفعية، سواء نحو الذات، أو نحو اللسان ؟ ثم كيف يكون هذا الافتراض ممكنا ؟. 

هذا قليل من كثير مما يواجه الناقد ـ القارئ اليوم ـ في مهمته التي تبدو عنصرا مكونا لمتلقيه. أو قل: إن رصد مثل هذه التساؤلات والممارسات الاستنبائية تبدو معززة في مفهوم ” نظرية التلقي ” التي تركز بدورها على الفاعلية التواصلية بين الناقد ـ  القارئ ـ وعملية الخلق الإبداعي، والتي تهتم ـ أيضا ـ بآلية التنسيق بين الفعل في ممارساته التخاطبية  كمعطى، والتقبل في تداول المقروئية التواصلية كمأخوذ / متلقى  حيث يكون النص مولدا في الاتجاه الافتراضي، ومسهما بالنظرية الاحتمالية التي تكشف النقاب عن إدراكات النص باستجلاء الغوامض.

القراءة بلغة إبداع

ليست القراءة التأويلية المبدعة مجرد فعل إدراكي، ولا حركة سطحية على صفحات النص، بل هي رحلة استكشافية في أفق الوعي، عملية خلقية تتخطى حدود المعنى الظاهري لتفتح للنص حياة ثانية، تتشكل في تفاعل القارئ مع أبعاده الرمزية والمجازية. في هذا الفضاء، يصبح النص كينونة مرنة، لا تختزن المعنى فحسب، بل تهيئه للانطلاق نحو أبعاد جديدة، حيث يلتقي الفهم الفردي للقارئ بخيال اللغة ونبضاتها الداخلية. القراءة بهذا الشكل هي تجربة وجودية، تنقل القارئ من مقام التلقي السكوني إلى مقام المشاركة النشطة في صياغة المعنى، بحيث تتحول الكلمات إلى مرايا تعكس الذات وتستنهضها على التفاعل مع الواقع الداخلي والخارجي.

يتجلى في هذا النوع من القراءة أن النص ليس خطابًا مغلقًا، بل فضاء مفتوحًا للانطلاقات التأملية، تتشابك فيه خبرة القارئ الفردية وثقافته وتجربته الحياتية مع إشارات النص، ليولد معنى يتجاوز الحدود الأصلية التي كتب النص من أجلها. بهذا المعنى، تصبح القراءة التأويلية المبدعة كناية عن فعل الخلق، حيث يُعاد ابتكار النص في كل لحظة قراءة، ويصبح كل تفاعل مع اللغة والمجاز والمجازية بمثابة شرارة تحرر المعنى من أسواره، وتفتح الطريق أمامه للانزياح نحو فضاءات غير محدودة من الفهم.

القارئ في هذا السياق ليس متلقيًا سلبيًا، بل مرآة حية للنص، مرآة تنعكس فيها مواقفه النفسية والفلسفية، ويستعيد من خلالها ذاته في رحلة تأملية تتماهى مع النص. كل قراءة تصبح تأويلًا جديدًا، كل تجربة نصية تعيد تشكيل الوعي، وكل تدفق للمعنى يفتح أفقًا إضافيًا للوجود. هذه المرآة ليست جامدة، بل متحركة، تتذبذب بين الحضور والغياب، بين ما هو مكتوب وما يمكن استشفافه، بين الحقيقة الظاهرة والحقيقة الخفية، حتى يتحول النص إلى كائن حي، يتنفس مع القارئ، ويعايشه في حركة دائمة من التوليد والتجدد.

ومن هنا، تتحول القراءة التأويلية المبدعة إلى فعل فلسفي عميق، إذ تتقاطع مع سؤال الوجود والوعي: النص لا يقدم الجواب النهائي، بل يطرح الأسئلة ويحيي التساؤل، والقارئ، من خلال هذه العملية، لا يكتفي بفهم النص، بل يختبر ذاته في مواجهة هذه التساؤلات، ويصوغ معنىً ينبثق من تلاقي تجربته الشخصية مع الفضاء الرمزي للنص. يصبح المعنى كيانًا حيًا، مشتركًا بين النص والقارئ، حيًّا في الزمن النفسي والوجودي، متحوّلًا بحسب تفاعل الخبرة والثقافة والخيال، بحيث تتبدّل القراءة من مجرد استرجاع لما هو مكتوب إلى خلق لعوالم جديدة للمعنى، وتجربة جديدة للوعي.

في هذا السياق، يتحول النص إلى مختبر للوعي، وحيث يتحول كل قارئ إلى مؤلف ثانٍ، كل قراءة إلى نص جديد يولد من عبور النص الأول إلى فضاء الذات القارئة. يصبح المعنى ليس حقيقة ثابتة، بل حركة مستمرة من الاحتمال والنسخ المحتملة، حيث يولد كل فعل قراءة فعلًا تأويليًا متجددًا، وكل فهم يعيد بناء النسق الداخلي للنص ويعيد صياغة تجربته الذاتية. وهكذا، تتجاوز القراءة حدود التفسير التقليدي، لتصبح ممارسة وجودية، فعلًا شعوريًا وفكريًا متآلفًا مع النسيج الرمزي للنص، وفعلًا استنطاقيًا للوعي الذي يرفض الركود ويطلب التجدد.

القراءة التأويلية المبدعة بهذا المعنى ليست مجرد ممارسة نظرية، بل تجربة فلسفية حية، تعيد توزيع المسافات بين النص والقارئ، بين الواقع والخيال، بين الحاضر والذاكرة، فتتحوّل اللغة إلى طاقة كونية، والمجاز إلى مرساة لإعادة اكتشاف الذات والوجود، والنص إلى كائن حي يواصل حياته عبر قراءات لا نهائية، حاملة معها دوماً احتمالات لا تنتهي من المعنى، وتجارب لا تحصى للوعي.

   إذا كانت المادة الإبداعية تثير الإحساس في مشاعر القارئ لتجعل منه منتجا ثانيا، بخلق قيمة جمالية تضفي على المعرفة السابقة في النص الوارد تجربة جديدة، إذا كان الأمر كذلك، فإن نظرية التلقي تحرص على الوجود الفعلي للقارئ بالمشاركة النفعية لعملية الخلق، بعيدا عن كونه قارئا مستوعبا للمادة فقط ؛ ذلك أن “حالة الإبداع هذه ليست من صنع المبدعين وحدهم، فإن القارئ، والناقد، جزء أساس من حالة إبداعية لا تكتمل بدون هذا الثالوث العضوي المتماسك: [ المبدع ونتاجه، والمتلقي وإمكاناته، والناقد وطرائقه، وأدوات إبداعه”[12]

   لذا، فإن علاقة القارئ بنتيجة المقروئية المرتبطة بفعل التلقي يحصرها التشكل الدلالي ” للنص الممكن ” أو ” الناص الحامل ” ؛ لأن هذا التشكل يبقى خاضعا للممكنات المعرفية في وضعها الاستدلالي للإرسالية ” التراسلية ” التي تحكمها وحدة السبب بالمسبب. والحال، أن هذا التشكل النوعي لا يتم إلا من خلال توافر ملكة الاستجابة الوجدانية لوعي النص باستكشاف تخوم فضائه، بدلالة ما تحمله توزيعاته التركيبية المتوالية، مبعدا في ذلك وحدة المعنى من دلالة اللفظ الذي يأخذ بضرورة حدود اليقين، وهو تداول مشروع لكيفية تصور الناتج البنائي التركيبي لهذا التحقق الجمالي. وقد لاحظ نقادنا القدامى هذه الظاهرة من حيث كون النص علامة توالدية، والقراءة تستنطقها، بخاصة ما ورد من عبد القاهر الجرجاني الذي اعتبر أن الكلام [ النص ] على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن بما يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل [13]، وهو ما أشار إليه أيضا  بـ ” معنى المعنى”، ويعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، و”بمعنى المعنى” أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر، وهكذا دواليك مع توالد المعاني التي أشارت إليها الدراسات الحديثة، باعتبار النص جملة من الاحتمالات تتضمنها سيرورة السيميوززيس [14]. وفق هذا المنظور ” المبكر” ندرك العلاقة الجدلية بين توالد النصوص باحتمالات دلالية تسمح بتعددية المعاني الواردة في النص المنتج.

   غير أن هناك مؤشار أساسيا ـ في منظورنا ـ ينبغي توافره في كل نص، هو ما يمكن أن نطلق عليه ” بالتحول الإرادي من الانفتاح إلى الانغلاق ” حرصا على منح الشرعية للمقروئية المتعددة القائمة على الإقناع الإيحائي.

   وليس معنى ذلك أن المتلقي ـ في هذه الحالة ـ قصدي في تبنيه النص الأول، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى حالة من الانفصام بينه وبين القارئ اللاحق، أو بين النص الأول والنص الثاني، على العكس من ذلك، أن الذي نقصده من وراء ذلك هو أن يترك المتلقي [ المنتج ] بعض الثقوب التي من شأنها أن تفسح المجال للقارئ اللاحق بالتعبير عن موقفه حيال هذا النص، وهي مؤشرات، تجعل من يستثيرها، تتفكك باستمرار، على اعتبار أنها ثغرات جمالية، أو ثقوب فضائية تكون سببا في تجاوز الحدود الإقليمية المعرفية للنص، ليذوب في الدلالة الاحتمالية، حيث يكون هذا الثقب ـ مثلا ـ هو مولد النص المفترض، أو حيث يكون النص المفترض مولدا. وهو ما يخلق في القارئ الشعور بأنه في حضرة إبداع حقيقي، وأنه بإزاء مثال من الغموض الذي يراه القارئ عنصرا من عناصر لغة [ النص ]، وهنا يبدأ القارئ بمحاولة تبرير عقلي للظاهرة، وعندما يجد نفسه عاجزا عن عبور الهوة الدلالية داخل الامتداد الخطي للنص، حينئذ يحاول أن يعبرها خارج النص بإضافات مكملة للنص[15] بقصد البحث في كيفية البناء الذي يعد ـ بدوره ـ نسيجا من الفضاءات البيضاء، تحمل فجوات ينبغي ملؤها، على اعتبار أن النص المغلق هو الأكثر قابلية للانفتاح.

   إن الرؤية الجمالية الناتجة من تحقيق غاية هذا التلقي مستخلصة من كون النص “علامة“، فتحاول القراءة استنطاق هذه العلامة بتحويلها إلى دلالة مستثمرة عبر وحدات علاماتية متعاقبة.

وهكذا، فإن البياض المرخص يخلق في إدراك المتلقي مطابقات ذهنية، أو ضمنية تسهم في ربط النص بفحواه [ الراهن / الممكن ].

   وحتى في الحالة التي قد يبدو فيها على أنه نص يشكل صمتا ما، فإنه يحمل نسقا إيقاعيا يمكن وسمه بالصمت المنطق ؛ أي البليغ، في نطقه الاحتمالي، عبر إضافات مكملة بترك المبادرة التأويلية في إنتاج المفاهيم، واعتبار النص وفق هذا التداعي الجمالي ضرورة فنية جمالية.  

قائمة المراجع:

  1. أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، ج 2، دار الكتب العلمية – بيروت / لبنان – 1424 ه
  2. عبد الاقدر فيدوح، دلائلية النص الأدبي، ديوان المطبوعات الجامعية، وهران، الجزائر، 1993.
  3. عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، تحقيق: محمد عبده، بالاشتراك،  دار المعرفة،  لبنان 1981
  4. عبد القاهر الجؤجاني، أسرار البلاغة، شرح وتعليق،محمد عبد المنعم خفاجة، مكتبة القاهرة، 1972
  5. عبد الملك مرتاض: التحليل السيميائي للخطاب الشعري
  6. كتاب الصناعتين، تحقيق: علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، الطبعة الثانية
  7. كريم أبو حلاوة: دور المتلقي في العملية الإبداعية، مجلة الوحة، عدد 82/83،
  8. مايكل ريفاتير، سيميوطيقا الشعر ” دلالة القصيدة دراسة في كتاب: أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة، مدخل إلى السيميوطيقا ” مؤالف بالاشتراك، والدراسة، ترجمة فريال جبوري غزول.
  9. محمد مفتاح: مجهول البيان، دار توبقال، ط1، 1990
  10. نصر حامد أبو زيد: مشكلة التأويل [ دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي ] دار الوحدة، 1983

*   التطور: يهتم بالتغيّر سلبا أو إيجابا. بينما يشمل مفهوم التطوير: التغيّرات المستمرة للفهم الإيجابي في اتجاهه التصاعدي.

[1]   محمد مفتاح: مجهول البيان، دار توبقال، ط1، 1990، ص 90 – 91.

[2]   ينظر، جولد زيهر: مذاهب التفكير الإسلامي، عن مجهول البيان، ص 92. 

[3]   كتاب الصناعتين، ص 364.

[4]   ينظر، أسرار البلاغة، ص 366.

[5]   ينظر، عبد الملك مرتاض: التحليل السيميائي للخطاب الشعري، ص 7، 8.

[6]   الإمتاع والمؤانسة، ج 2، ص 140 – 143.

[7]   نصر حامد أبو زيد: مشكلة التأويل [ دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي ] دار الوحدة، 1983 ؛ 361.

[8]   مجهول البيان، ص 101. 

[9]   تعددية النص [ نظرية النقد ونظرية النص ]، مجلة: كتابات معاصرة، ع1، 1988، ص 28 – 29.

[10]   نفسه، ص 28 – 29.

[11] ينظر، كتابنا، دلائلية النص الأدبي، ديوان المطبوعات الجامعية، وهران، الجزائر، 1993.

[12]  كريم أبو حلاوة: دور المتلقي في العملية الإبداعية، مجلة الوحة، عدد 82/83، ص 120.

[13]  دلائل الإعجاز، ص 202.

[14] أطلق شارل سندرس بورس على هذه السيرورة ” السيميوزيس” ويقصد به السيرورة التي يشتغل بموجبها شيء ما بوصفه علامة منتجة، وهي سيرورة تتصل بقضايا الدلالة، وبكيفية إنتاجها، وطرق اشتغالها، عبر توالد المعاني.

[15]  ينظر، سيميوطيقا الشعر ” دلالة القصيدة ـ دراسة في كتاب: أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة، مدخل إلى السيميوطيقا ” مؤالف بالاشتراك، والدراسة ل: مايكل ريفاتير، ترجمة فريال جبوري غزول.

Al-Naqd. النقد

موقع النقد موقع ثقافي يختص باللغة والأدب والثقافة ويمكنكم التواصل معنا للاستفسار على البريد الإلكتروني arabicnaqd@gmail.com في انتظار مشاركاتكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى